السيد كمال الحيدري

290

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

يقول الفيض الكاشاني : « والسرّ في ذلك أنّ لكلّ خُلق من الأخلاق المذمومة والهيئات الرديّة المتمكِّنة في النفس صورة نوع من أنواع الحيوانات ، وبدناً يختصّ بذلك ، كصور أبدان الأُسُود ونحوها لخُلق التكبّر والتهوّر مثلًا وأبدان الثعالب وأمثالها للخُبث والروغان ، وأبدان القرد وأشباهها للمحاكاة والسخرية . . » « 1 » . ومن وجهة النظر القرآنيّة فإنّ أعمال الإنسان وما يقدّمه لنفسه لها صِلة بِنِعَم الجنّة ولذائذها ، وعذاب النار وأهوالها ، فهي التي تصنع قصوره في الجنّة ، وهي أيضاً التي تدفع به إلى ألوان عذاب جهنّم . هذه الأعمال التي يقوم بها الإنسان في الدُّنيا تتجسّم بعد الموت بصورها الحقيقيّة وترافق الإنسان وتبقى معه ، وقد بيّن القرآن هذه الحقيقة بقوله تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ « 2 » . ومن الآيات الدالّة على تجسّم الأعمال قوله تعالى : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ « 3 » . فهي تتحدّث بصراحة عن رؤية الإنسان لأعماله ، لا رؤيته لجزاء الأعمال . ومن هذه الآيات قوله تعالى : وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ « 4 » .

--> ( 1 ) علم اليقين في أصول الدِّين ، محمّد بن المرتضى الكاشاني ، دار البلاغة ، بيروت ، 1410 ه 1990 م : ج 2 ، ص 902 901 . ( 2 ) آل عمران : 30 . ( 3 ) الزلزلة : 8 5 . ( 4 ) الأنبياء : 47 .